طرق رواية قالون عن نافع: أبو نشيط والحلواني

كثيراً ما يقرأ الباحث عن تلاوة برواية قالون عبارة «من طريق أبي نشيط» مكتوبةً على غلاف المصحف أو في وصف التسجيل، فلا يدري ما المقصود بها، ولا ما الفرق بينها وبين «من طريق الحلواني»، ولا علاقة ذلك كله بـالشاطبية وطيبة النشر. وهذا المقال يشرح هذه المصطلحات ترتيباً من الأعلى إلى الأدنى، ثم يبيّن الطريق المعمول به اليوم.

قراءة، ورواية، وطريق، ووجه

اصطلح أهل القراءات على تسمية مراتب النقل بأسماء مضبوطة، لا يصح استعمال أحدها في موضع الآخر:

  • القراءة: ما يُنسب إلى أحد القراء العشرة المشهورين، مثل قراءة نافع المدني.
  • الرواية: ما يُنسب إلى راوٍ أخذ عن القارئ مباشرةً، مثل رواية قالون عن نافع ورواية ورش عن نافع.
  • الطريق: ما يُنسب إلى من أخذ عن الراوي، مثل طريق أبي نشيط عن قالون وطريق الحلواني عن قالون.
  • الوجه: ما كان الأمر فيه على التخيير، فيقرأ القارئ بأيّ الوجهين شاء، مثل القصر والتوسّط في المد المنفصل عند قالون.

فسلسلة النقل التي نتحدث عنها هي إذن: نافع بن أبي نُعيم → قالون → أبو نشيط أو الحلواني → … → الإمام الشاطبي أو ابن الجزري. ومن هنا يظهر أن «رواية قالون» ليست شيئاً واحداً لا تفصيل فيه، بل تحتها طرق، وتحت الطرق أوجه.

من هما أبو نشيط والحلواني؟

روى عن قالون خلق كثير، لكن الطريقين اللذين دخلا في الكتب المعتمدة وانتشرا في التعليم والطباعة هما:

أبو نشيط، محمد بن هارون المروزيّ ثم البغدادي (ت 258 هـ): مقرئ ثقة، أخذ القراءة عن قالون عرضاً، وهو أشهر أصحابه وأوسعهم أثراً في نقل الرواية.

أبو الحسن، أحمد بن يزيد بن أزداد الصفّار الحُلواني (ت بعد 250 هـ): من أهل حُلوان، إمام في القراءة، جمع بين الأخذ عن قالون وعن غيره، وله في الرواية أصول معروفة عند أهل الفن.

وقد ذكرهما مصادر ترجمة قالون معاً في تلاميذه، مع إبراهيم بن الحسين الكسائي وغيرهم. ويمكنك الرجوع إلى سيرة الإمام قالون وسند الرواية المتصل لتفصيل السلسلة.

موقع قالون في الشاطبية

«حرز الأماني ووجه التهاني»، المعروفة بـالشاطبية، منظومة نظمها الإمام القاسم بن فِيَّرُّه الشاطبي (ت 590 هـ) لكتاب «التيسير» لأبي عمرو الداني. وهي المتن الذي يُدرَّس به اليوم في أكثر معاهد القراءات، ويقوم على القراءات السبع، بـراويين لكل قارئ، أي أربع عشرة رواية.

والمهم هنا أن الشاطبية تنقل رواية قالون من طريق أبي نشيط. فحين يقول القارئ «قرأت برواية قالون من الشاطبية»، فهو يقرأ في الحقيقة على طريق أبي نشيط، وإن لم يصرّح بذلك. ولهذا تجد الطريقين مقترنين في العبارات المكتوبة على المصاحف: «برواية قالون عن نافع من طريق أبي نشيط».

ورمز الشاطبي لقالون في منظومته هو حرف الباء من حروف «أبي جاد»، فمتى وجدت في النظم كلمةً مبدوءة بالباء مثل «بَدَا» و«بانَ» و«بَرّ»، فالحكم المذكور لقالون.

موقع قالون في طيبة النشر

«طيبة النشر في القراءات العشر» منظومة ابن الجزري (ت 833 هـ)، اختصر بها كتابه «النشر في القراءات العشر». وهي أوسع من الشاطبية في ثلاثة أمور:

  1. تزيد على السبعة ثلاثة قراء، فتصير القراءات عشراً (أبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر).
  2. تنقل لكل راوٍ طريقين، ولكل طريق فرعين، فيبلغ مجموع الطرق ثمانين طريقاً.
  3. تتفرّع عن هذه الطرق أوجهٌ كثيرة، حتى عُدّت طرق «النشر» بنحو تسع مئة وثمانين طريقاً.

وفي طيبة النشر تُروى قالون من الطريقين كليهما: طريق أبي نشيط وطريق الحلواني. وهذا هو الفرق العملي الأول بين المتنين: من قرأ بالشاطبية اقتصر على أبي نشيط، ومن قرأ بالطيبة جمع الطريقين وميّز أحكام كل واحد منهما في موضعه.

الشاطبيةطيبة النشر
المؤلفالإمام الشاطبي (ت 590 هـ)ابن الجزري (ت 833 هـ)
أصلهاالتيسير للدانيالنشر لابن الجزري
عدد القراءسبعةعشرة
طرق قالونأبو نشيط وحدهأبو نشيط والحلواني
موضعها اليومالمتن الأساسي في التعليم والطباعةالقراءات الكبرى وجمع الطرق

هل الخلاف بين الطريقين يغيّر المعنى؟

لا. الخلاف بين طريق أبي نشيط وطريق الحلواني عن قالون خلاف أدائي محدود، يقع في تفاصيل الأصول من قبيل مقادير المد وأحكام ميم الجمع ونحوها، ومواضعه معروفة مبيّنة في «النشر» لابن الجزري وكتب الفرش.

وهذا الخلاف:

  • لا يمسّ رسم المصحف: الكلمات مرسومة كما هي، والاختلاف في الأداء لا في الحروف.
  • لا يغيّر المعنى: ليس فيه ما يبدّل دلالة الآية.
  • كله متواتر: كلا الطريقين ثابت بالإسناد المتصل، ومن قرأ بأيّهما فقد قرأ بقرآن.

وهو بهذا يختلف اختلافاً جوهرياً عن الفرق بين رواية قالون ورواية حفص، فذاك خلاف بين روايتين عن قارئين مختلفين، وأثره أظهر في السماع، وتجد تفصيله في صفحة الفرق بين قالون وحفص.

الطريق المعمول به في المصاحف والتلاوات

المعمول به في المصاحف المطبوعة برواية قالون — كالمصاحف المتداولة في تونس وليبيا — وفي التلاوات المسجلة المنتشرة اليوم هو طريق أبي نشيط من الشاطبية. والسبب أن الشاطبية هي المتن الذي يُقرأ به ويُجاز به في عامة المعاهد، فجاءت الطباعة والتسجيل على وفقه.

فإذا استمعت إلى تلاوة كاملة برواية قالون على هذا الموقع، فأنت تسمع في الغالب طريق أبي نشيط، وإن لم يُنص عليه في وصف التسجيل. أما طريق الحلواني فمحلّه القراءات الكبرى وجمع الطرق عند من يقرأ بالطيبة، ولا يكاد يُسجَّل مصحفاً كاملاً مستقلاً.

خلاصة

  • الطريق مرتبة أدنى من الرواية: قالون رواية عن نافع، وأبو نشيط والحلواني طريقان عن قالون.
  • الشاطبية تنقل قالون من طريق أبي نشيط وحده.
  • طيبة النشر تنقل قالون من الطريقين، في منظومة أوسع تبلغ ثمانين طريقاً.
  • الخلاف بين الطريقين أدائي محدود، لا يمسّ الرسم ولا المعنى، وكله متواتر.
  • المصاحف المطبوعة والتلاوات المسجلة اليوم على طريق أبي نشيط.

ولمزيد من التفصيل في أحكام الرواية نفسها، انظر أحكام رواية قالون وأحكام المد عند قالون والأسئلة الشائعة.

مشاركة:WhatsAppXFacebookTelegram

تصفّح أيضاً